الشيخ داود الأنطاكي

248

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

مطلقاً ، وقد وقع الاجماع على أن أجود الرسوب ما نزل لخلوه عن الريح لدلالة المتعلق على احتباس الرياح خصوصاً الطافي ، أبيض متناسب الاجزاء لدلالة ذلك على تمام النضج ، مستديرا أملس لاحكام الطبيعة له ، طيب الرائحة لعدم العفونة ، وأن يوجد في الزمن الرابع ؛ لأنه يدل على انتباه الطبيعة وأن يكون مناسباً لما اغتذى به ؛ لتعلم به سلامة الأعضاء الأصلية ، وما عداه ردئ في الغاية إن خالف كل ما ذكر وإلا فبحسبه . فروع الأول : قد علمت أن الرسوب الطافي غير جيد ، مع أن ابقراط يقول : إذا طفا الأسود دل على الصحة ودونه ان تعلق ولا خير في السافل . فإن كان هذا تخصيصاً من تعميم فلا بد من النص عليه كما نبه عليه الفاضل أبو الفرج وإلّا لزم المناقضة والنظر في الأصوب . الثاني : وقع الاجماع منهم على أن الشفاف خير كله ؛ لدلالته على اللطافة . وعندي فيه نظر ؛ لأنهم اجمعوا على أن الشفافية من اللطف فالكدورة من ضده وكل كثيف حابس للريح ، فيكون المتعلق كثيفاً ، مع أنه يجب أن يكون الطف خصوصاً الطافي ، وأيضا اللطيف لا يكون الا لمخالطة الأرواح فيكون أخف فيجب أن لا يرسب ، وأن يكون دالًا على عجز الطبيعة حتى حلت الأرواح وكلامهم يخالفه ، وهي شكوك فلسفية ليس لهم عنها جواب . الثالث : أطلقوا القول في الرسوب زمناً وغيره ، مع أن لنا زماناً وسناً ومرضاً وغذاء قد لا يتأتى فيها رسوب أصلًا كالصيف والشباب وحمى الغب وكثير الصوم وتناول نحو السكر ؛ لفرط الحرارة المحللة في ذلك فكيف ينتظر ، وعكس المذكورات لا ينفك عن الرسوب أصلًا ، فكيف يحكم بأنه إن عم زمن المرض أو اوّله كان رديئاً وإلّا فجيد . والحق الذي يظهر أنه لا بد من مراعاة ذلك .